الجانبين
    الجانبين
    العودة الى الرئيسية

    التشتت والخصوصية في رواية من” هنا وهناك” للكاتبة الفلسطينية بشرى ابو شرار

    نشرت منذ: 5 شهور

    دراسة/رمضان أحمد عبد الله

    تشير ” هنا ” إلى نقطة بداية الانطلاق ، وكذلك تأتي تعبيراً عن الحاضر الآني وأيضاً تؤكد القرب .. أما ” هناك ” فهي القصد والجهة ومحطة الوصول ثم هي الماضي والخبرة والتراث والتاريخ وأخيراً هي الابتعاد … هذا ما يطرحه عنوان رواية “من هنا وهناك ” للكاتبة الفلسطينية المصرية بشرى أبو شرار . الصادر عام 2005 عن مطبوعات القصة ندوة الاثنين بالإسكندرية .
    [1] الأحداث :
    في تعاملها مع الأحداث تحكي الكاتبة عن رحلة جميلة وما يقابلها ويصادفها من أماكن وأشخاص ومواقف .. منذ الفصل الأول حين توقظها أمها ترى طائر الأحزان وقد جعل من قسمات وجه جميلة عُشاً له بعد ذلك تنطلق جميلة بسيارتها فترى حواجز مرورية فتتذكر أن رخصة قيادتها منتهية هنا حواجز وهناك في وطنها حواجز حين تذهب لمقابلة موسى وجابر تعرف أن موسى لم يُمنح تأشيرة دخول ثم تقابل جابر ياسين الذي يصرح لها باسم العطر الذي تستخدمه . لأن البطلة أنثى فهي أديبة تلتقي بكتَّاب وشعراء كثيرين في أماكن كثيرة فتشعر أنها في غربة مثل رمسيس الذي يقف في عزلته . ترحل جميلة في صيف رغم الحواجز لتعلن لنا استشهاد نبيل عمرو فهو ليس أول أو أخر الشهداء الذين تقص عنها فتقص عن استشهاد ماجد أبو شرار وناجي العلي وغيرهما . إنها رغم هذا الهم تحب كأي أنثى فهي تحب حاتم الذي أنكر نفسه منها خلف الباب ثم يجئ عطش هارون السقا الذي ما يزال يسقي الناس منذ أربعين عاماً بينما العطش يسير بين عروقه . تكمل جميلة رحلتها حيث تقابل كثيراً من المبدعين في ندوات ومعارض كتب وقصور ثقافية. جميلة هذه المبدعة ليست كباقي النساء كما تنتقدها ابنتها رغد من حيث ملابسها وهندامها فهي مهملة في هذا الجانب لكنها تقضي جُل وقتها في القراءة والكتابة تصل الكاتبة إلى انتهاك العرض فمنصور انتهك عرض أحلام كما فعلها جابر مع حُسنه ، ابنة أبو حسين التي قتلها أخوها ثم تقص عن عثمان الذي يحضر كل الكتب لجميلة حتى لو باعها لها من مكتبته الخاصة أو من الكتب التي أخذها من عند راسم وقت أن كان يُجري بعض أعمال الصيانة بشقته والذي تخلص من هذه الكتب أمام إصرار زوجته فأقنعه عثمان أن يدعها لديه على سبيل الأمانة ثم تصل إلى الحكي عن الرئيس ولحظة موته. في نهاية الرواية تفيق جميلة لتواصل الانطلاق فلا زالت لديها أنفاس .
    [2]نظرة على الرواية :
    نرى مما سبق أن الكتابة تقص عن أحداث مبعثرة التواريخ مبعثرة الأماكن والأشخاص الخيط الرابط بين هذا التبعثر أن جميلة هي البؤرة التي تتحرك وسط هذا الهياج والازدحام والتنوع . نصل هنا إلى تساؤلات .
    هل هذه الرواية واقعية أم تنتمي إلى ما يسمى بالأدب التفكيكي أو ما بعد الحداثة ؟.
    الرواية حافلة بالأماكن الحقيقية في الواقع وكذلك مليئة بأسماء أشخاص حقيقيين مما يجعل القارئ يستنتج أن الكاتبة تكتب سيرتها الذاتية الواقعية من زوايا الأحداث بالطبع كل كاتب يكتب سيرته الثقافية والفكرية من خلال تجاربه لكن غالباً لا يكتب عن نفسه وأناس قابلهم إلا من تعمد أن يكتب رواية عن شخصه هو لذلك يتراءى للقارئ أن بشرى أبو شرار تكتب عن نفسها . على الرغم أنها تذكر أسماء قابلتهم هي في الحياة وكذلك مواقف مرت هي نفسها بها إلا أنها تكتب بشكل أساسي عن الاغتراب والحدود والحواجز فتحاول أن تخلق توازناً بين الحاضر ” هنا ” والماضي “هناك” مستخدمة في ذلك الإيحاء النفسي بالغربة والتشرذم من الواقع وتفكك هذا الواقع لتنتج رواية تقوم أحداثها على التنقل والتوزع وعلى القارئ لهذه الرواية جهد كبير ليعيد إنتاج وترتيب الأحداث ربما هذا قائم على قصدية فنية للثقة في القارئ أو قائم على ثقافة لدى الكاتبة وصدفة فنية غير مقصودة .
    [3]موضوع الرواية :
    تطرح الكاتبة موضوع التشتت والتبعثر عبر الحواجز الحائلة بين الناس وأوطانهم أو بين الناس وبعضهم . فالبطلة جميلة أديبة تتعاطى الأدب كتابة وقراءة وسفرا إلى ندوات ومعارض كتب . تحاول أن تتجاوز هذه الحواجز سواء كانت خرسانية أو نقاط مرور أو نقاط تفتيش أو مطارات تمنع أو تمنح تأشيرات دخول كلها تصب في معادل موضوعي واحد هو المنع المؤدي إلى التشرذم . فالكاتبة همها الشاغل الوطن والمخيم لذا ترفض جميلة البطلة أن تعيش كباقي السيدات لها جسد ومتطلبات . فالكاتبة تلتقط صوراً ومشاهد عبر مجرى النهر . نهر الحياة المتدفق تلضمها لتصنع حكاية تشبه حكاية النباتات الخضراء ذات العيدان المتباعدة . ربما يكون لكل نبات حكاية مكتوبة ومحمولة على صفحات النهر فالعالم شظايا لدى الكاتبة تجمعها لتوصيل كل معاني الألم و الغربة والوحدة بمعناها النفسي والوحدة في الموقف حيث تخلى الجميع وأوصدوا الحواجز في وجوه المغتربين ..
    [4] التقنية :
    هذه ليست رواية تقليدية فالأحداث لا تسير متسلسلة . لكنها تحكي من هنا وهناك ويتوفر بها كم هائل من الأحداث والأشخاص والأماكن وأسماء مؤلفات وشخوص داخل هذه المؤلفات كل هذا لابد أن يكون له قالب تقني يقوم عليه .
    4-1 البنـــــاء :
    تحتوي الرواية على ستة وأربعين فصلاً لكل فصل عنوان منفصل كل فصل له حكاية منفصلة غالباً ويختلف طول الفصول وقصرها . تعتمد هنا الكاتبة على التفكيك الذي هو ضمن مصطلحات ما بعد الحداثة التي ظهرت كتيار مضاد معارض للحداثة . فالتفكك يعني بالتشظي والتشتت واللاتقريرية لذلك ترفض ما بعد الحداثة الشمولية وتأبى التأويل وتحارب المعاني الثابتة كذلك ترفض الفصل بين الحياة والفن وتقبل النصوص المتداخلة وتنكر الحدود وتنادي بتعدد الحقائق والعوالم وتحارب ثقافة النخبة فليس هناك ثقافة عالية وأخرى دونية جماهيرية وذلك فلا توجد فواصل أو فوارق ثقافية .
    – مدى تطابق هذا التفكيك وانطباقه على الرواية نجد الآتي:
    (1) الكاتبة تقص عن أشياء متفرقة تماما ثم تعود إلى بعض من تلك الأشياء في فصول أخرى .
    – مثلاً تقص عن عثمان في فصول 20 ، 21 ، 22 ، 23 ثم تعود تقص عنه في 25 ، 26 يتكرر ذلك مع عبدالله تايه
    (2) تقص عن حنظله في فصل 28 وكذلك عن كمال إسماعيل فصل 29 واللؤلؤ في فصل 19 هذه كلها أشياء متفرقة متباعدة لا علاقة روائية بينهما في سياق الأحداث ربما سوى الاغتراب والبعد عن الوطن .
    (3) تقص عن مجهولين في الفصول 37 ، 38 ، 45 .
    (4) تكرر الحكي عن ماجد أبو شرار في فصول 29 ، 31 ، 37 وكذلك حدث مع راسم .
    (5) تحكي عن سلطانه البحرينية في فصل 19 وتعود إليها في فصل 24 .
    (6) تقص عن انتقاد رغد لأمها جميلة في فصول 11 ، 13
    (7) ذكرت أشخاص وأسماء أماكن ومؤلفات وشخصيات داخل هذه المؤلفات باعتبار ثقافة القارئ تتيح لها فهم هذه الغوامض وهذه العوالم المتداخلة .
    لذلك تحتاج هذه الرواية إلى قارئ واسع الثقافة والمعرفة لديه قدرة على إعادة إنتاج وترتيب الأحداث داخل النص الروائي وكذلك قدرة على حذف ما يرى أنه ليس ضرورياً داخل الرواية لذلك تراهن الكاتبة بهذا البناء على قارئ يدرك ويعي تركيب نص لإنتاج دلالات قصدتها الكاتبة أو أخرى يصل إليها القارئ بمفردة وفطنته وهذا في رأيي لا يتوفر لكثير من القراء حتى أولئك الذين يمارسون الأدب قراءة وكتابة .
    4-2 الســــرد :
    تعتمد الكاتبة على أسلوب السرد المباشر متكأة على ذراع اللغة الرقراقة التي تجئ من منبع نهر القهر وكأنها تلضم سلاسل ذهبية من حبات الألم ورغم الألم تجئ الألفاظ شديدة التأثير ويأتي هذا السرد المباشر دون مطبات لغوية توقف التدفق الانسيابي للمفردات والتراكيب فالكاتبة مهمومة بالصورة والمشهد الروائيين وعينها وفكرها دائماً على دلالة تجسيد هذه الصورة والمشاهد وسط السرد المباشر تقف الكاتبة أحياناً عند (هناك) الماضي الوطن البعيد فتعود إليه من خلال الاسترجاع للماضي أو ما يسمى فلاش باك. كما يتوفر هذا الفلاش باك في الصفحات الآتية صـ 13 ، 14 ، 21 ، 22 ، 38 ، 44 ، 45 , 46 , 48 , 67 , 186 , 128 , 129 , 130 , 300 , 301 ، 302 هذا يعني أن الماضي له حضوره وتأثيره فهو يكاد يكون هو الركيزة الأولى في هذا العمل حتى لو جاءت (هنا) في الحاضر كثيف الحضور لأن (هناك) هي المحرك والدافع و(هنا) هي المحطة الحالمة بالعودة إلى (هناك) .
    4-3 الحـــــوار :
    الحوار داخل الرواية قليل . لاعتماد الكاتبة على أسلوب السرد المباشر ومع ذلك الحوارات القليلة لها حضور هام داخل الأحداث لأنها نقطة التواصل بين الشخصيات وكاشف عن عمق وحدود كل شخصية وثقافتها . تعبر الحوارات أيضاً عن القهر والهم والسفر والترحال والحواجز والتغرّب . تنضم الكاتبة إلى الكتَّاب الذين يكتبون حوارات شخصياتهم باللغة الفصحى مع تنوع ثقافة الشخصيات في حوار رغد مع أمها جميلة صـ 119 تقول
    – أم صديقي رائعة وقفت لساعات في المطبخ تعد لنا طعام العشاء من شواء لقطع اللحم وقلي حبات البطاطا ، وما أن انتهت من كل هذا حتى أخذت مكانها في غرفة الجلوس تلعب على جهاز الألعاب حتى الرابعة صباحاً نظرت جميلة لكماتها مندهشة
    – الرابعة صباحاً … تلعب على جهاز الألعاب .
    – نعم كم كان رائعاً منها ، وليست مثلك أنت تقضين معظم الوقت بين الكتب المتكومة هنا وهناك .
    [5] الخصوصيــة :
    تحظي هذه الرواية بمجموعة من الخصوصيات لا تتوفر في روايات كثيرة فهي فعلاً تحتاج إلى جهد كبير في القراءة والتحليل.
    5-1 الخصوصية الأنثوية :
    ظهر مصطلح الأدب الأنثوي أو الأدب النسوي مع ظهور كتابات لكاتبات غربيات للدفاع عن حقوق الأنثى ولانتزاع اعترافات بحقوق وممارسات كانت ترفضها القوانين الغربية وبعض المذاهب الدينية قديماً يتجلى ذلك في كتابات فرجينا وولف وسيمون دي بفوار . تطور هذا المصطلح ليشير إلى الأدب الذي يتحدث عن الأنثى سواء كاتبه أنثى أو رجل . تحظى الخصوصية الأنثوية بحضور هام في هذه الرواية على النحو الآتي :
    (1) بطلة الرواية أنثى والكاتبة أيضاً أنثى .
    (2) تعبر عن اغتراب الأنثى البطلة عن وطنها ووقف الحواجز والممرات ضدها .
    (3) الأنثى البطلة ليس لديها طموح أنثوي واهتمام بموضوعات تقليدية من أزياء ومكياج فالاهتمامات الجسدية ليست في حسبانها فقط حبها الأول والأخير للمخيم رمز الوطن والشاطئ رمز بلد الإقامة الإسكندرية .
    (4) البطلة أنثى تهمل الترفيه وتركز على الأدب والسفر إلى مهرجان وندوات أدبية عبر الوطن العربي .
    5-2 خصوصية الأحداث :
    تطرح الرواية أحداثاً خاصة ليست مألوفة فلا تحكي أحداثا عادية أو متصلة فهي تأتي هنا وتحن إلى هناك جوانب هذه الخصوصية فيما يلي .
    (1) الأحداث مبعثرة منذ الحالة النفسية للبطلة والكاتبة .
    (2) يتكرر الحكي ويتبعثر هنا وهناك فيكثر المحكي عنه ويتكرر في أكثر من فصل .
    (3) تتواجد أحداث كثيرة بدون ترتيب .
    (4) يتوفر عدد كبير من أسماء مبدعين حقيقيين شعراء وكتاب قصة ومسرح لم يحدث أن إلتلقى مثل هذا الحشد العددي والنوعي في عمل روائي .

    5-3 خصوصية اللوحات الداخلية :
    قليلا ما تجد تجانس وتجاور اللوحات ورسومات داخلية بجوار الحدث الروائي نعم هناك أعمال أدبية يصاحبها رسوم فنية لكنها ليست بمثل هذا الكم الهائل لقد استخدمت الكاتبة في نهاية كل فصل وبدايته لوحة مرسومة . لكن السؤال المطروح هل هذه اللوحات تتجانس وتعبر عن مضمون ومدلول الفصل الذي وضعت في بدايته ونهايته؟؟ ثم هل هذه اللوحات تم رسمها خصيصاً للرواية أم أن الروائية انتقتها لتناسب أحداث كل فصل .. أرى الآتي :
    (1) من الواضح جداً أن اللوحات رسمت أولاً ثم قامت الكاتبة بانتقاءها لتجري عملية تكيف بين اللوحات ومضمون الفصول ووضعتها بشكل فني لذاتها .
    (2) أما هذه اللوحات معبرة أم لا عما جاء في الفصول توجد 11 لوحة جاءت معبرة عن مدلولها وعناوين الفصول هذه اللوحات في صفحات (8 – 10 – 12 – 36 – 42 – 124 – 144 – 154 – 192 – 284 – 290).
    (3) وضعت باقي اللوحات لذاتها وقيمتها الفنية ولا ارتباط بينها وبين عناوين ومضامين الفصول التي وضعت قبلها .
    [6] الإحصائية :
    تحظى الإحصائيات العددية بحضور كبير قلما تجده في عمل روائي أو أي عمل أدبي آخر على النحو الآتي – علماً بأني لم أعد الأسماء التي تكررت أكثر من مرة سوى مرة .
    1- البلاد والأماكن حوالي 85 بين مدينة ودولة وشارع ومخيم وقرية .
    2- الأشخاص حوالي 130 يتوفر وجودهم باسماءهم داخل الرواية بين قاص وشاعر ورسام وكاتب مسرح وزعيم سياسي وأسطوري .
    3- كلمة (هنا) تكررت حوالي 35 مرة .
    4- كلمة (هناك) تكررت حوالي 75 مرة .
    5- كلمتي (هنا وهناك) تكررت حوالي 15 مرة .
    6- اللوحات الداخلية عددها 73 لوحة عدا لوحة الغلاف مقسمه
    أ- 49 لوحة مزيلة بتوقيع اسم أحمد الأسيوطي .
    ب- 24 لوحة بدون توقيع لأسماء المبدعين الرسامين.
    ج- اللوحات مأخوذة من رسومات 4 مبدعين رسامين هم أحمد الأسيوطي ، محمد حجي ، ناجي العلي ، يوسف فرنسيس .
    د- اللوحات التي تعبر عن مدلول العناوين عددها 11 لوحة .

    (6) فصول تكررت موضوعاتها في فصول أخرى
    – تقص عن سلطانه في 19 ، 24
    – تقص عن عثمان في 20 ، 21 ، 22 ، 23 ثم تعود تقص عنه في فصول 25 ، 26 .
    – تقص عن ماجد في فصل 33 ، 34
    – في فصل 37 الذي تقص عنه مجهول هل هو غريب أم ماجد أم أبوجميلة وهذا يُحدث ارتباكاً لدى القارئ .
    – كذلك في فصل 38 تقص عن الرئيس من هو الرئيس هل ياسر عرفات أول رئيس أم الرئيس الفلسطيني الحالي أم هو رئيس آخر مما يحدث بلبلة للقارئ غير الفلسطيني .
    (7) يُوجد 24 لوحة داخلية بدون توقيع أسماء الرسامين الذين رسموها ومن حقهم أن تُذّيل أعمالهم بأسماءهم .

    وأخيراً لقد قدمت الكاتبة رواية دسمة زاخرة بالأحداث والأشخاص أبدعت في أحيان كثيرة وأرهقت القارئ في أحيان أخرى وراهنت على ثقافة ووعي القارئ في مرة ثالثة لأنها تسكنها الآلم وتصدها الحواجز هنا وهناك …

    مقالات ذات صله

    الرد